عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
87
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
له : والله أعلم ما غلبتني بفقهك ، ولكن بصلاحك . هكذا حكي والله أعلم . وذكروا أنه لما شافهه أمير المؤمنين بالرسالة قال : وما يدريني أنك أمير المؤمنين ولم أرك قبل هذا قط ؟ ! فتبسم الخليفة من ذلك ، وأعجبه ، فأحضر من عرفه به . وذكروا أيضاً أنه كان في طريق ، فمر كلب ، فزجره بعض أصحابه ، فقال له أبو إسحاق : أما علمت أن الطريق مشتركة بيننا وبينه ؟ وله في الورع حكايات شهيرة . ومن تواضعه أنه كان - مع جلالته وعلو منزلته - يحضر مجلس بعض تلامذة إمام الحرمين ، أعني مجلس وعظه ، وهو الشيخ الإمام البارع جامع المحاسن والفضائل بلا منازع أبو نصر عبد الرحيم ابن الإمام أبي القاسم القشيري كما سيأتي . وذكر الحافظ ابن النجار أنه لما ورد بلاد العجم ، كان يخرج إليه أهلها بنسائهم ، فيمسحون أردانهم يعني به أو قال : أردانهم به ، ويأخذون تراب نعله ، فيستشفون به . وذكر علماء التاريخ أنه لما فرغ نظام الملك من بناء المدرسة النظامية التي في بغداد سنة تسع وخمسين وأربع مائة قرر لتدريسها الشيخ أبا إسحاق . واجتمع الناس من سائر أعيان البلد وجوه الناس على اختلاف طبقاتهم ، فلم يحضر الشيخ أبو إسحاق ، وسبب ذلك أنه لقيه صبي قيل حمال من السوق فقال له : كيف تدرس في مكان مغصوب . فرجع واختفى ، فلما أيسوا من حضوره قالوا : ما ينبغي أن ينصرف هذا الجمع إلا بعد تدريس ، فدرس الإمام أبو نصر بن الصباغ - مصنف الشامل وقيل : لم يكن حاضراً ، بل نفذ إليه عند ذلك ، فحضر ودرس . فلما وصل الخبر إلى نظام الملك أقام القيامة على العميد أبي سعيد ، فلم يزل يرفق بالشيخ أبي إسحاق حتى عرس بها . وذكر بعضهم أن الشيخ أبا إسحاق ظهر في مسجده بعد اختفائه ، ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم ، وفتروا عن حضور درسه ، وراسلوه أنه أن لم يدرس بها مضوا إلى ابن الصباغ ، وتركوه ، فأجاب إلى التدريس بها ، وعزل ابن الصباغ ، وكان مدة تدريسه بها عشرين يوماً . قلت لماذا كان الحامل للشيخ أبي إسحاق على التدريس بها قول طلبته المذكور ، وفتورهم عن حضور درسه ، فذلك يحمل على حرصه على نشر علمه ، ونفع المسلمين به ، ويكون ذلك من النصيحة للدين والاهتمام بالقيام لإظهار ما شرع من الأحكام ، وتعليمها للراغبين فيها من الأنام ، وكراهية أن يكون علمه مهجوراً ، وتعطيل النفع بما سعى في تحصيله دهوراً .